يعيش الذهب مفارقة نادرة: فالفوضى الجيوسياسية وتزايد الطلب عليه كملاذ آمن تتصادمان مع الضغوط الناتجة عن ارتفاع العوائد الحقيقية وقوة الدولار. منطقة 5,015.00–5,200.00 ستكون حاسمة في الأيام القليلة المقبلة.
ينهي زوج XAU/USD الأيام العشرة الأولى من شهر مارس في حالة من عدم اليقين الشديد، حيث يتداول في الجلسة الأوروبية المبكرة ليوم الثلاثاء قرب 5,170.00–5,180.00 بعد ارتداده من مستوى 5,000.00 النفسي، والذي تزامن مع أدنى مستويات الشهر.
يجد المعدن الأصفر نفسه في قلب شدّ وجذب حاد: من جهة هناك تصاعد الصراع في الشرق الأوسط وارتفاع الطلب على الأصول الآمنة؛ ومن الجهة الأخرى هناك قوة الدولار وتعديل توقعات خفض معدلات الفائدة من جانب الفيدرالي في ظل المخاوف التضخمية.
الوضع الحالي: الجيوسياسة في مواجهة السياسة النقدية
العامل الإيراني: حرب بلا مؤشرات على نهايتها
لا تزال التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط هي المحرك الرئيسي للذهب. فقد وصف مسؤولون إيرانيون تصريحات الرئيس الأمريكي Donald Trump بشأن نهاية سريعة للصراع بأنها «هراء»، محذرين من أن الأمن الإقليمي سيكون للجميع أو لن يكون لأحد. وأكد الحرس الثوري الإسلامي (IRGC) أن طهران — وليس واشنطن — هي من ستحدد موعد انتهاء الحرب.
بعد اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، تم تعيين نجله مجتبى خامنئي قائداً جديداً، في إشارة إلى استمرار النهج المتشدد، ما يجعل التوصل إلى نهاية سريعة للصراع أمراً غير مرجح. وحذرت إيران من أنها قد تقدم على تعطيل صادرات النفط من المنطقة إذا استمرت الهجمات الأمريكية والإسرائيلية.
صدمة نفطية وتوقعات تضخمية
استعادت أسعار النفط زخماً صعودياً بعد انعكاس حاد عن قمم يونيو 2022، وسط مخاوف من تعطل الإمدادات عقب إغلاق مضيق هرمز. ولا يزال المستثمرون قلقين من أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة سيدفع بالتضخم إلى مستويات أعلى.
وبحسب بيانات CME Group، تسعّر الأسواق حالياً ما يقرب من 37 نقطة أساس فقط من خفض أسعار الفائدة في عام 2026 — وهو أقل بكثير من نحو 66 نقطة أساس كانت مُسعّرة قبل القفزة الأخيرة. وهذا يدعم بقاء عوائد سندات الخزانة الأمريكية عند مستويات مرتفعة ويُبقي الدولار قوياً، مما يحد من الإمكانات الصعودية للذهب.
عامل الدولار وآفاق الفيدرالي
يتداول مؤشر الدولار الأمريكي (USDX) في نطاق 98.70–98.60 وسط حالة من عدم اليقين واستمرار المخاطر الجيوسياسية. وتُظهر أداة CME FedWatch أن الأسواق تسعّر احتمالاً يقارب 97% للإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماع مارس.
قال رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في Minneapolis نيل كاشكاري إنه لا يزال من المبكر معرفة الكيفية التي ستؤثر بها الحرب مع إيران في التضخم، لكنه أقرّ بأنّها قد تؤثر في السياسة النقدية. ويشير اقتصاديون إلى أنّ توقعات التيسير من جانب الفيدرالي تراجعت بحدّة بعد اندلاع الصراع.
آراء الخبراء
النظرة طويلة الأجل
لا يزال السوق الهيكلي الصاعد للذهب قائمًا. فمؤشر المخاطر الجيوسياسية العالمية عند مستويات تاريخية مرتفعة، وسيستمر احتساب علاوة مخاطر لصالح الذهب. ويظل طلب البنوك المركزية متماسكًا — إذ يُتوقَّع أن يبلغ نحو 950 طنًا في عام 2026.
الخلاصة
الذهب يواجه مفارقة نادرة: فالفوضى الجيوسياسية وارتفاع الطلب على الأصول الآمنة يتعارضان مع الضغوط الناتجة عن صعود العوائد الحقيقية وقوة الدولار. ستكون المنطقة المحورية بين 5,015.00–5,200.00 دولار حاسمة في الأيام المقبلة — إذ إن الثبات فوق مستوى 5,148.00 دولار سيسمح للمشترين باستهداف إعادة اختبار مستوى 5,230.00 دولار وما فوقه، في حين أن الكسر دون منطقة 5,015.00–5,000.00 دولار سيفتح المجال لتصحيح أعمق باتجاه منطقة 4,905.00–4,850.00 دولار.
ستظل مستويات التقلب مرتفعة في جميع السيناريوهات. ينبغي على المستثمرين متابعة التطورات الدبلوماسية عن كثب (فأي مؤشرات على خفض التصعيد قد تؤدي سريعًا إلى زوال علاوة المخاطر الجيوسياسية)، وبيانات التضخم في الولايات المتحدة (مؤشر أسعار المستهلكين يوم الأربعاء ومؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي يوم الجمعة)، إلى جانب تصريحات مجلس الاحتياطي الفدرالي بشأن مخاطر التضخم. النجاح سيكون من نصيب من يستطيع التمييز بين الضوضاء قصيرة الأجل والاتجاهات طويلة الأجل — إذ لا تزال العوامل الهيكلية تشير إلى احتمال تحقيق مكاسب نحو 5,700.00–6,200.00 دولار في النصف الثاني من العام.